مؤلف مجهول
114
الإستبصار في عجايب الأمصار
فإن أكثر دوابكم الإبل ، تكون إبلكم على بابها في مراعيها آمنة من البربر . فدعا ما كان في الغيضة من الوحوش والهوام ، وقال اخرجوا بإذن اللّه فخرج كل ما كان فيها حتى لم يبق من الحيوانات شئ ؛ وهم ينظرون إليها . وقال ابن الرقيق « « ا » » « 1 » في تاريخه : فبقيت القيروان 40 سنة لم ير فيها خشاش ولا هوام . وتنازعوا في قبلة الجامع فبات عقبة مهموما ، فرأى في المنام قائلا يقول له : خذ اللواء بيدك فحيث ما سمعت التكبير فامش ، فإذا انقطع التكبير فأركز اللواء فإنه موضع قبلتكم ؛ ففعل عقبة ذلك فهو موضع القبلة ، وهو محراب جامع القيروان إلى اليوم ؛ وقد هدم حسان بن النعمان جامع القيروان وبناه حاشى المحراب فإنه تركه . ويقال إنه هدم وبنى 3 مرات ، كل وال يلي القيروان يريد أن يكون الجامع من بنيانه ؛ وكانوا يتركون منه المحراب تبركا ببناء عقبة رحمه اللّه . ويقال إنه لما أراد معد بن إسماعيل بن عبيد اللّه الشيعي « 2 » تحريف قبلة مسجد القيروان وذلك سنة 345 [ - 956 ] بلغه أهل القيروان يقولون إن اللّه عز وجل يمنعه منه بدعاء عقبة بن نافع الفاضل في وقت تأسيسه الجامع . فلما وصل ذلك إلى معد غضب ، وأمر بنبش قبر عقبة بن نافع وإحراق رمته بالنار ، وكان قبره بظاهر مدينة تهودا ، حيث استشهد رحمه اللّه . وبعث معد لذلك 500 ما بين فارس وراجل ؛ قيل فلما دنوا من قبره وحاولوا ما أمرهم به ، هبت عليهم ريح عاصفة ولاحت بروق خاطفة وقعقعت رعود قاصفة كادت تهلكهم ، فأضربوا ولم يعرضوا له ؛ فخافوا عقوبة معد فتاهوا في صحارى إفريقية حتى سمعوا أنه هلك ، فحينئذ أتوا إلى أوطانهم معتبرين مستبصرين « « ب » » . وبإزاء جامع القيروان الساريتان الحمراوان الموشاة بالصفرة ، اللتان لم ير الراءون أحسن منها « « ج » » ولا مثلها ؛ كانت في كنيسة من كنائس الروم ، فنقلها إلى جامع القيروان حسان بن النعمان ؛ وهما مقابلتان المحراب ، عليهما القبة المتصلة بالمحراب .
--> « ا » ب : أبو الرقيق ، ج : الرقيق . « ب » ج : مستبشرين . « ج » القراءة في ب : وبإزاء جامع القيرواني الساريتين الحمر الموشاة بالصفرة اللتان لم ير الروائد أحسن منهما . ( 1 ) هو أبو إسحاق إبراهيم ابن القاسم الذي يكتب سنة 377 ( 987 ) على عهد بنى زيرى بإفريقية . قارن ابن خلدون ، الترجمة ، هامش 3 ج 1 ص 292 ( 2 ) معد بن إسماعيل بن أبي القاسم بن عبيد اللّه الشيعي رابع الخلفاء الفاطميين ، المعروف بالمعز لدين اللّه ( 341 - 365 - 952 - 976 ) .